عندما أُعلنت دولة إسرائيل في الـ14 من مايو/ أيار 1948 استدعي حوالي 200 من الأعيان لحضور الحفل الذي أقيم في متحف تل أبيب للفن. ولم يبق على قيد الحياة من هؤلاء المائتين -حسبما يعتقد- سوى أرييه هاندلر، الذي يبلغ من العمر 93 عاما.
وفيما يلي روايته لهذا اليوم التاريخي:
كنت أقطن في مكان غير بعيد من مقر سكنى دافيد بن غوريون أول رئيس وزراء إسرائيلي، فتسلمت دعوة من شخص أتى على دراجة نارية.
ناولني إياها دون أن يقول شيئا. استوضحته أمرها، فقال لي إنه من غير المسموح له أن يحدثني عن أي شيء.
وفي نفس اليوم تلقيت مكالمة هاتفية من ديوان بن غوريون طلبت مني ألا أخبر أحدا عن حصولي على الدعوة.
ولكن الأمر لم يكن سوى كلاما فارغا، إذ بعد ساعات من المكالمة كان الجميع على علم بفحوى الدعوة.
لا تزال لدي الدعوة الأصلية. لقد كتب فيها: “من إدارة الأمة، تل أبيب، 13 مايو 1948. لنا الشرف بأن نبعث إليكم هذه الدعوة لحضور جلسة الإعلان عن الاستقلال. ستعقد الجلسة في يوم الجمعة 14 مايو 1948، على الساعة الرابعة مساء بقاعة المتحف، 16 جادة روثشيلد.
“نرجو منكم أن تتكتموا على فحوى هذه الدعوة وعلى تاريخ اجتماع المجلس. يرجى من المدعوين الحضور إلى القاعة على الساعة الثالثة وثلاثين دقيقة.”
“لكم كل الإخلاص”
“السكرتارية”
“الدعوة شخصية. اللباس: داكن، أنيق”.
وصلتني الدعوة قبل أربع وعشرين ساعة فقط من انعقاد الجلسة. آنذاك، وقبل يوم من ذلك، لم يكن واضحا ما إذا كان بن غوريون قد قرر إعلان قيام الدولة.
لقد كنت عضوا في المجلس الصهيوني العام [هيئة تدبير شؤون الشعب اليهودي في فلسطين]، وفي ذلك الوقت وردت من نيويورك برقيات من الرئيس الأمريكي هاري ترومان ومن اليهود أصدقاء ترومان تناشدنا عدم إعلان الدولة، لأنهم كانوا يخشون أن تتحول إلى تابع من توابع الآتحاد السوفياتي، لأن الروس كانوا يؤيدون قيام إسرائيل.”
كان بن غوريون في وضع حرج، لكنه أسر لدائرة ضيقة منا قائلا: ” أنا لست شيوعيا وأود لو حصلت على تأييد الأمريكيين، ولكن إذا لم أعلن قيام الدولة الآن، فلن يحدث ذلك أبدا.” “هيجان”
لن أنسى ذلك أبدا. استدعينا إلى الاجتماع، الذي انطلق على الساعة الرابعة، وأعلن قيام الدولة، ثم انتهى في تمام الساعة الخامسة والنصف. مثل هذه الدقة نادرة في الممارسات الحكومية اليهودية.
كان لدي شعور بأنها لحظة تاريخية، ليس فقط بالنسبة لليهود بل للنسبة العالم أجمع.
عندما انتهى الاجتماع وعدت إلى أسرتي كانت الطائرات المصرية تقصف تل أبيب، كما زحف غلوب باشا [القائد البريطاني لجيش نهر الأردن] بالقوات العربية – وأوقفتهم الهاغاناه [قوة الدفاع اليهودية] غير بعيد عن محل سكناي.
وعلى الرغم من هذه المحن، كان هناك هيجان وغبطة عظيمان. كان الناس يرقصون في الشوارع، ليل نهار، حتى عندما كانت الطائرات تلقي بالقنابل لأنهم أحسوا بأن الوطن قد يكون نوعا من الحل للمسألة اليهودية.
ولبعض الاعتبارات لم أكن أومن بأن هذه الدولة ستنمو بهذه القوة؛ جامعاتنا ومدارسنا واقتصادنا، إنها أشياء رائعة صارت أحسن مما كنا نتوقع.
وفي نفس الوقت ينتابني القلق من شيء واحد: إذا لم يبذل يهود وعرب هذا البلد -وهم شعب طيب- جهدا للتعايش والعمل جنبا إلى جنب فالوبال سيكون عليهم جميعا.
زعامة أكثر جدارة
أعتقد أن زعامة هذا البلد كانت -خلال السنوات الأولى من عمر هذه الدولة – أقوى وأفضل من قيادة اليوم.
في ذلك الوقت كان الزعماء من قبيل أناس كبن غوريون أو [رؤساء الوزراء] موشي شاريت وغولدا مائير وليفي إشكول؛ كانم هؤلاء أناس ينتمون إلى أحزاب، لكنهم كانوا يتمتعون بقوة وسلطة هائلتين؛ أتمنى لو أن لدينا اليوم زعامة من هذا الصنف.
كان الظروف صعبة آنذاك؛ لم يكن لدينا المال الكافي، لم يكن نملك السلاح الكافي، لكن الناس الذين كانوا يقودون البلاد كانوا يعرفون ما يصنعون.
يمكنني القول كانت الأشياء -ليس في العالم اليهودي، بل في العالم بأسره- ستكون مختلفة لو لم يعلن بن غوريون قيام الدولة.
ولهذا السبب يظل أفضل يوم في حياتي -وأنا لم أعد شابا منذ وقت طويل- هو [يوم] ذلك الاجتماع البسيط في متحف تل أبيب.
أجرى الحديث رافي بيرغ
ME-OL
موضوع من BBCArabic.com
http://news.bbc.co.uk/go/pr/fr/-/hi/arabic/middle_east_news/newsid_7388000/7388695.stm
منشور 2008/05/07 16:53:25 GMT
© BBC MMVIII

